وهبة الزحيلي
253
التفسير المنير في العقيدة والشريعة والمنهج
وَهُوَ عَلَيْهِمْ عَمًى ، أُولئِكَ يُنادَوْنَ مِنْ مَكانٍ بَعِيدٍ [ فصلت 41 / 44 ] وقال تعالى : وَنُنَزِّلُ مِنَ الْقُرْآنِ ما هُوَ شِفاءٌ وَرَحْمَةٌ لِلْمُؤْمِنِينَ ، وَلا يَزِيدُ الظَّالِمِينَ إِلَّا خَساراً [ الإسراء 17 / 82 ] . روى الطبري عن قتادة قال في آية : وَلَيَزِيدَنَّ . . : حملهم حسد محمد صلّى اللّه عليه وسلّم والعرب على أن كفروا به ، وهم يجدونه مكتوبا عندهم « 1 » . وكان من جزاء اللّه لهم على نكدهم ما قاله : وَأَلْقَيْنا بَيْنَهُمُ الْعَداوَةَ . . أي وألقينا بين فئات اليهود والنصارى العداوة والبغضاء ، فكل فرقة منهم تخالف الأخرى كما قال تعالى : تَحْسَبُهُمْ جَمِيعاً وَقُلُوبُهُمْ شَتَّى [ الحشر 59 / 14 ] والتاريخ القديم والحديث يثبت ذلك بوقائع الحروب العنصرية والدينية والاستعمارية الكثيرة الوقوع . ولا يغترن أحد بتوافق اليهود في فلسطين ، فذلك أمر وقتي . وكلما هموا بالكيد للرسول والمؤمنين الصادقين وإثارة الفتن والحروب بين الأمم في الداخل والخارج ، خذلهم اللّه ، ورد كيدهم عليهم ، فإما أن يخيب مسعاهم ، أو ينصر المؤمنين عليهم . وهم في مساعيهم يسعون في الأرض فسادا ، أي من سجيتهم أنهم دائما يفسدون في الأرض ولا يصلحون ، واللّه لا يحب من كانت هذه صفته ، بل يبغضه ويعاقبه ويسخط عليه . ثم فتح اللّه تعالى باب الأمل والتوبة أمامهم فقال : وَلَوْ أَنَّ أَهْلَ الْكِتابِ آمَنُوا . . أي لو أنهم آمنوا باللّه ورسوله ، واتقوا ما كانوا يتعاطونه من المآثم والمحارم ، لكفرنا عنهم سيئاتهم التي اقترفوها ، ولأدخلناهم جنات النعيم التي ينعمون بها ، أي لأزلنا عنهم المحذور وأنلناهم المقصود .
--> ( 1 ) تفسير الطبري : 6 / 195